سناء البيسى.. آثمٌ من لا يحبك.. ومجذوبٌ من يفعل!
كتب أحمد الصاوى ١١/ ١١/ ٢٠٠٨
أنت قارئ.. ربما أنفقت العمر تقرأ دون أن ترتزق من قراءاتك رزقاً يسد الرمق ويروى الظمأ ويشبع الروح.
بعض القراءة قدر جميل ورزق حلال، بعض القراءة لحن رقيق وضوء شموع يثير الخيال.
بعض القراءة رقص بطىء الخطى وقلب يدق بنبض الآمال، بعض القراءة حلم بعيد المدى وصبر جميل يطارد هذا الجمال.
يكفى أن تعتمد نفسك قارئاً عندها.. لتملك مفتتح الشعر، وناصية الأدب، وباب الصحافة، وأبعاد الصورة، وحكمة الحكاية، ومتعة الرواية، وحلاوة البداية، وجمال النهاية.
يكفى أن تقرأها مرة لتكتشف أنك لم تكن تقرأ بالمرة، ولتجد نفسك تردد مع «الست»: «اللى شفته قبل ما تشوفك عينيه.. عمر ضايع يحسبوه إزاى عليا».
جرب أن تقرأها مرة وستسعى لقراءتها ألف مرة، وفى كل مرة ستغمض عينيك بعد السطر الأخير، تغيب فى سحر الكلمة وحلاوة الجملة وعمق المعنى، وتهيم روحك بإحساس مبهج، وحين تفتح عينيك من جديد ينتفض لسانك دون إرادة منك ويهتف منتشياً: «اللاااااه يا ست».
اقرأها كما تستمع إلى موسيقاك المفضلة، مرر أصابعك على السطور والكلمات لتعزف ألحانك المحببة، داعب أوتار الحروف لتطلق «دندنتك» الخاصة.
تنزه معها على شاطئ نهر ساحر، أو فى لحظة غروب بديع، اسهر معها على ضوء شموع خافت فى ليلة ممطرة، وعندما يباغتك النوم لا تكترث بإعادة الكتاب إلى رفه، اترك دفتيه مشرعتين ودعهما تستقران على صدرك لتتلمس دفء الكلمات.. هى نسجتها بمهارة أم تغزل لأطفالها أردية الشتاء.
«مصر يا ولاد» فيها سناء البيسى.. السيدة الجميلة الأنيقة الرائقة الرقيقة الأديبة المبدعة المشرقة المعلمة الأستاذة «الريسة» صاحبة مقام الكتابة وولية أولياء القلم، تلك التى لا تترك لك خياراً بين أن تحبها فتنصب خيمتك إلى جوار المقام وترضى الحياة وسط المجاذيب والدراويش، وبين أن تبقى تصد الهوى وتقبل أن تعيش آثماً فى حق فعل القراءة المقدس.
«المصرى اليوم» تدعوك لقراءة كتابها الأخير «مصر يا ولاد» الصادر عن دار نهضة مصر، وتنشر لك اليوم مفتتح الكتاب، لأنك تستحق كاتبة مثل سناء البيسى، كما تستحق كل ما هو جميل وقيم ومرموق.
سناء البيسى تكتب: الكتابة نسب !
وأما بعد.. لقد وجدت فيها مبتغاى وبلغت مقصدى لتحقيق مطلبي، وهو أن الكتابة نسب، أى أن أصحاب الأقلام عيلة واحدة تجمعهم صلات الدم ومن ثم لابد وأن يكون نهجهم ألا يعضُّوا بعضهم، وألا يأكل صاحب قلم لحم أخيه حيًا أو ميتًا فى جلده فنكرههما معًا.. إن ما نراه الآن للأسف من تحرشات فى عشيرة الكتاب يعكس أن الدم بقى مية والذبائح للركب والنهش مسلسلات مع سبق الإصرار والترصد، ولحم الأشقاء وقع فريسة بين الإخوة الأعداء، وما جاء يومًا من وصايا لأصحاب الأقلام للقلقشندى فى كتابه «صبح الأعشى فى صناعة الإنشا» قد غدا من ضروب السخرية التاريخية عندما خاطب الفقيه الكبير الجليل الخبير أصحاب القلم فى عام ٧٥٦هـ بقوله: حفظكم اللّه يا أهل صناعة الكتابة وحاطكم ووفقكم وأرشدكم،
فإن اللّه عز وجل جعل بعد الأنبياء والمرسلين وبعد الملوك المكرمين أصنافًا فجعلكم معشر الكتاب فى أشرف الجهات، أهل الأدب والمروءة والعلم والرواية، فموقعكم من الملوك موقع أسماعهم التى بها يسمعون، وأبصارهم التى بها يبصرون، وألسنتهم التى بها ينطقون، وأيديهم التى بها يبطشون، فليس أحد أحوج إلى اجتماع خلال الخير المحمودة وخصال الفضل المذكورة المعدودة منكم أيها الكتاب… فتناقشوا معشر الكتاب فى صنوف الآداب، وتفقهوا فى الدين، وابدأوا بعلم كتاب اللّه عز وجل فإن فى ذلك معينًا لكم على ما تصبو إليه هممكم.. وتحابوا فى اللّه عز وجل فى صناعتكم، وتوارثوا أهل الفضل والعدل من سلفكم… ويكفى أن يقال: إن الكتابة نسب: ولله در أبى تمام الذى قال:
إلا يكن نسب يؤلف بيننا
أدب أقمناه مقام الوالد
أو كما قال لنا أستاذ الصحافة الدكتور عبداللطيف حمزة فى محاضراته بالجامعة: إذا كنا نحفظ من متَّ إلينا بالأنساب الجسمانية التى لا تعارف بينها، فأولى أن نحفظ من متّ إلينا بالأنساب النفسانية التى يصح فيها التعارف، ولذا قال الحسن بن وهب: الكتابة نفس واحدة تجزأت فى أبدان متفرقة..
وعلى الكاتب أن يكون قوى النفس حاضر البديهة جيد الحدس، حلو اللسان، جرىء الجنان، ظاهر الأمانة، عظيم النزاهة، كريم الخلق، ملمًا بكل الفنون، حتى ما تقوله الندابة بين النساء والماشطة عند جلوة العروس وما يقوله المنادى على السلع فى الأسواق، وأن يكون جامعًا للثقافة العربية وعناصرها المختلفة كالشعر والقرآن والحديث والحكم والأمثال وكلام الخطباء ورسائل البلغاء، عارفًا الأزمنة واقفًا على عادات العرب فى الجاهلية وما بقى من هذه العادات فى الإسلام، عالمًا بتواريخ الأمم، جهبذًا فى علم المسالك والممالك، دارسًا اللغات، فصيحًا فى أوصاف الرجال والنساء والحيوان والدواب والضوارى والوحوش والطيور،
متبحرًا فى أوصاف الآلات على اختلافها والموازين وأنواعها وأوصافها والأحجار النفيسة وأسعارها، مبحرًا فى اللغة وأسرارها مما يجعل له رصيدًا ضخمًا من الألفاظ والمعانى يأخذ منه متى شاء يعبر به عن المعنى الواحد بطرق كثيرة من طرق البيان، وهذا المنهج هو أحد أنواع الإعجاز فى القرآن، فالقصة الواحدة تتكرر فيه مرارًا فى سور متعددة، ترد فى كل سورة بلفظ وتركيب غير الذى وردت به فى سورة أخرى مع استبقاء حد البلاغة والفصاحة… إلخ..
وربما من هنا أتت المنزلة الرفيعة للكاتب، حيث كان الكاتب الفضل بن سهل - على سبيل المثال - فى خلافة بنى العباس يجلس على كرسى مجنح يحمل فيه إذا أراد الدخول على الخليفة، فلايزال يحمل حتى تقع عين المأمون عليه، وإذا وقعت عليه وضع الكرسى ونزل عنه ومشى وحمل الكرسى حتى يوضع بين يدى المأمون، فيحادثه ويعود ليقعد عليه.
فى زماننا لم يعد فارق بين وظيفة الكاتب والوظائف الأخرى بل أصبحنا نجد الفارق جليًا واضحًا فى المهنة ذاتها.. بين الكتاب والكتبة.. قلم الكتاب متصل بوريد القلب وقلم الكتبة متصل بوريد المصلحة.. الكتاب يكتبون ما تمليه عليهم ضمائرهم، والكتبة يكتبون ما يُملى عليهم.. الكتابة انفصلت عن القراءة وتراجعت الموهبة وغدت الثقافة علاقات عامة وموبايلات مسجلاً عليها تليفونات أهم الشخصيات،
وبالتالى لابد وأن نعيد النظر ف













