د.حازم الببلاوى يكتب: اختراع «الشعب اليهودى»
٧/ ١١/ ٢٠٠٨
تمهيد:
هذا العنوان ليس من عندى، ولا هو شعار أحد أعداء السامية، ولكنه عنوان كتاب Comment le people juif fut invente لأستاذ إسرائيلى، يدرّس التاريخ الحديث فى جامعة تل أبيب. الأستاذ شلومو ساند Shlomo Sand هو أحد المؤرخين الجدد فى إسرائيل، والذين يقومون منذ أكثر من ثلاثة عقود بمحاولة إعادة كتابة التاريخ اليهودى بعيداً عن الأساطير الدينية أو الأيديولوجية السياسية للصهيونية.
وليس الغرض من هذا المقال عرض الكتاب فى كل تفاصيله -وهى كثيرة- وإنما الاقتصار على بعض الملاحظات المهمة التى يوردها الكاتب عن المغالطات فى تقديم «التاريخ اليهودى»، وبالتالى فى تشكيل وجدان الشعب الإسرائيلى، وأثر ذلك على زيادة حدة العداوة والكراهية بين الشعوب. والكتاب فى جوهره عرض زمنى للكتابات عن «التاريخ اليهودى» فى العصر الحديث، خاصة منذ بداية القرن التاسع عشر.
ويوجه المؤلف النظر إلى أهمية الدور الذى لعبه المثقفون اليهود بالنسبة لتطور مفهوم «التاريخ اليهودى»، فهم وفقاً لتعبيره، «أمراء الأمة»، ولا يخفى أن الديانة اليهودية كانت، وربما، أول ديانة تحفل بالكتابة، وترفع «الكتاب» إلى درجة القداسة. ولم يقتصر الأمر على التوراة المكتوب، بل كان التوراة الشفهى محل تسجيل فى وثائق وكتب مثل «المشنا» و «التلمود» بفرعيه البابلى والفلسطينى و «الهلاخا». فاليهود هم أول أهل لـ»الكتاب» وأكثرهم تعلقاً بالكتابات المقدسة. ومن هنا أهمية وخطورة الكتاب المحدثين للتاريخ اليهودى.
التاريخ اليهودى:
ربما يرجع أشهر كتاب عن تاريخ اليهود إلى المؤرخ اليهودى جوزيف فلافيوس فى نهاية القرن الأول الميلادى فى أثر هدم المعبد اليهودى عام ٧٠ ميلادية بعد ثورة اليهود على الحكم الرومانى آنذاك فى يهودا والجليل. وكان جوزيف من الارستقراطية الدينية.
وقد انضم إلى المتمردين وكان قائداً لهم فى منطقة الجليل، قبل أن يكتشف من خلال المعارك استحالة الانتصار على الرومان، فانضم إلى معسكر الأعداء (الرومان) واستسلم لهم وتقرب من القائد فلافيوس فسباسيان -الذى أصبح إمبراطوراً فيما بعد- وتنبأ له بأنه سيصبح رأساً للدولة، وأصبح من بعدها أحد محاسيب الحكم الإمبراطورى الجديد.
وخوفاً من اتهامه بالانتهازية السياسية، فإنه حاول أن يبرئ ساحته من الخيانة لأبناء جلدته، فوضع كتابين مهمين، أحدهما عن «الحرب اليهودية» والثانى عن «تاريخ اليهودية». وكان همه الأكبر فى الكتابين إبراز حسن نيته، وأنه كان يحاول إنقاذ الشعب اليهودى من تهور العناصر اليهودية المتطرفة للوصول إلى تفاهم مع الرومان من ناحية، مع التأكيد على عظمة الشعب اليهودى وتاريخه الطويل، وبالتالى إبراز اعتزازه بدينه وأهله من ناحية أخرى. وقد جاء سرده للتاريخ اليهودى القديم استناداً إلى ما ورد فى التوراة والعهد القديم دون أى أسانيد تاريخية باستثناء الفترة المعاصرة له والتى تمتد إلى قرن سابق من الزمان.
ولذلك فإن كتاب «تاريخ اليهود» لجوزيف هو أقرب إلى إعادة ترديد للتراث الدينى الأسطورى منه إلى بحث جاد عن التاريخ اليهودى، وذلك باستثناء الفترة السابقة عليه مباشرة. ومن هنا أهمية الكتابات الحديثة عن التاريخ اليهودى، باعتبارها دراسات موضوعية فى تاريخ الشعوب بأكثر مما هى تأملات روحية أو عقائدية فى الديانة اليهودية.
وقد بدأ التأريخ الحديث للتاريخ اليهودى منذ بداية القرن التاسع عشر فى ألمانيا وتأثر، بالتالى، بالمناخ السائد فيها آنذاك الذى يجمع بين الرغبة فى الدقة العلمية مع درجة عالية من الرومانسية، وغير قليل من النزعة العنصرية والعرقية. كذلك جاء عدد قليل من هؤلاء المؤرخين من روسيا القيصرية ودول شرق أوروبا ذات التاريخ الطويل فى الاضطهاد العنصرى والانغلاق الطائفى.
المؤرخون المحدثون للتاريخ اليهودى:
وفقاً لمؤلفنا، فإن أول وأهم هؤلاء المؤرخين هو الألمانى اليهودى اسحق جوست Jost حيث أصدر فى ١٨٢٠، مؤلفه عن «تاريخ الإسرائيليين منذ المكابية حتى الآن». وإذا كان المؤلف قد استخدم، اصطلاح «الإسرائيليين» بدلاً من اليهود، فلعله أراد أن يساير الاتجاه السائد فى الدول الأوروبية آنذاك -فرنسا وألمانيا- فى النظر إلى اليهود المقيمين عندهم، باعتبارهم مواطنين فرنسيين أو ألماناً «إسرائيليين» من حيث الديانة، بدلاً من وصف «اليهود» الذى كان يحمل نكهة سلبية.
ولكن الأكثر أهمية فى هذا الكتاب هو أنه حدد بدء هذا التاريخ منذ «المكابية»، أى منذ الانتفاضة التى قامت فى أرض يهودا، وليس منذ بدء الخليقة كما جرت عادة الكتاب اليهود فى السابق. وكانت حجته فى ذلك بسيطة بقدر ما هى مقنعة، وهى أنه باستثناء الفترة منذ حكم «المكابيين» فى القرن الثانى قبل الميلاد، فإنه لا توجد أى أسانيد تاريخية وموضوعية للحديث عن التاريخ القديم لليهود، وكل ما هو متوافر إنما هو نوع من العقائد الدينية والأساطير والتقاليد المتوارثة.
ولذلك فإنه رأى أنه طالما يصدر كتاباً عن «تاريخ» اليهود، فإن عليه أن يستخدم الأساليب العلمية فى دراسة التاريخ اعتماداً على وثائق أو آثار أو وقائع محددة، وليس بالاستناد إلى العقائد الدينية المتوارثة القائمة على «الإيمان» وحده. وكانت أرض «يهودا» قد وقعت تحت نفوذ الإغريق بعد غزو الإسكندر الأكبر المنطقة.
وفى عام ١٦٧ قبل الميلاد أصدر الحاكم الإغريقى أنتيوشوس Antiochus أمراً بمنع العبادة فى معبد اليهود فى أورشليم، فقامت الثورة والتمرد ونجح أحد الزعماء الدينيين (ماتاتيا المكابى) فى إقامة نظام جديد للحكم يستند إلى العائلات اليهودية الكبيرة، واستمرت فى الحكم بعد استيلاء الرومان على المنطقة (٦٣) قبل نهاية القرن الأول قبل الميلاد إلى أن تولى الملك هيرود من نفس العائلة الحكم بمساعدة الرومان. وهكذا رأى جوست أن هذه الفترة (الثلث الأخير من القرن الثانى قبل الميلاد) هى البداية الحقيقية للتاريخ «الإسرائيلى» والتى يمكن التأريخ لها بشكل موضوعى.
وإذا كان جوست هو أول المؤرخين المحدثين للتاريخ اليهودى، فإن الذى استقر فى الأذهان هو تلميذه هنريتش جرايتيز Heinrich Graetz كمؤسس لدراسة التاريخ اليهودى. وقد أصدر مؤلفه عن «تاريخ اليهود من العصور القديمة حتى الآن» وذلك بعد كتاب جوست بثلاثين عاماً فى عدة أجزاء (١٨٥٣ - ١٨٧٥). والجديد فى هذا التأريخ أنه يبدأ الرواية منذ «الخروج من مصر» مع النبى موسى، مؤكداً أن التاريخ اليهودى مستمر بلا انقطاع منذ ذلك الحين، ووجه نقداً لاذعاً لأستاذه جوست لأنه أهمل تاريخ اليهود القديم الذى ورد فى التوراة والعهد القديم.
وهكذا فإن جرايتز استحدث تغييراً جوهرياً فى كيفية كتابة التاريخ اليهودى حيث لم يعد يهتم -مثل أستاذه جوست- بأن يقتصر التاريخ (بعكس العقائد الدينية) على سرد الوقائع التى تستند إلى أدلة تاريخية. فعند جرايتز، على العكس، العهد القديم والتقاليد الموروثة وحتى الأساطير المتداولة هى أدلة تاريخية كافية، وبذلك يختلط التاريخ «كعلم» بالدراسات الدينية واللاهوتية.
ويرى مؤلفنا -شلومو ساند- أن هذا التقليد الذى استنه جرايتز قد انعكس على التعليم الجامعى فى إسرائيل، فيما يتعلق بتدريس التاريخ فى الجامعات الإسرائيلية المعاصرة. فالدراسات التاريخية فى هذه الجامعات توزع بين قسمين مستقلين تماماً، أحدهما «للتاريخ العام» بفروعه المختلفة، ويستخدم أدوات البحث التاريخى المستقرة فى الدراسات التاريخية. والقسم الثانى هو «للتاريخ اليهودى» حيث يختلط فيه التاريخ بالعقائد الدينية.
ويرجع مؤلفنا ـ شلومو ساند ـ الخلا















