
نذار قباني
هل بمقدور المرء أن يحب دون أن يعشق كلمات الشاعر الراحل نزار قباني.. هل بإمكان القلب - أي قلب - أن يدق علي إيقاع غير إيقاع هذا الشاعر الذي رسم للحب ملامح جديدة لم نكن نعرفها.. هل نستطيع دراسة القصيدة العربية الحديثة دون التوقف طويلاً أمام تجربة نزار مع الجمال والألم.. والدموع؟!
كيف يمر يوم ٣٠ أبريل دون أن نتذكر نزار قباني.. فمنذ ١٠ سنوات بالضبط، سكتت الكلمات بعد أن سكت القلب، وهدأت الشرايين، ليرحل عن عالمنا شاعر فذ عرف كيف يحفر لنفسه مكانًا متفردًا في التجربة الإبداعية العربية.
هذه الرحلة تحاول استدعاء نزار قباني بعد ١٠ سنوات علي رحيله.. استدعاء نزار الإنسان.. نزار التكوين.. نزار التجربة.. نزار الحب والهجرة والغربة.. وفي كل «نزار» قصة.. وقصيدة.. ودمعة حزينة!
«هذي دمشق وهذي الكأس والراح
إني أحب.. وبعض الحب ذباح
أنا الدمشقي.. لو شرحتمُ جسدي
لسال منه عناقيد وتفاح
ولو فتحتم شراييني بمديتكم
سمعتم في دمي أصوات من راحوا»
«هنا جذوري، هنا قلبي، هنا لغتي»، هنا في الشام حيث ولد نزار قباني، «كل أطفال العالم يقطعون لهم حبل مشيمتهم عندما يولدون إلا أنا.. فإن حبل مشيمتي لم يزل مشدودًا إلي رحم دمشق منذ ٢١ آذار (مارس) ١٩٢٣»، كان الربيع وقتها يستعد لفتح حقائبه الخضراء والعشب يتهيأ لغزو السهول والتلال، «الأرض وأمي حملتا في وقت واحد.. ووضعتا في وقت واحد».
ولمنزله البسيط العتيق في (مئذنة الشحم) بدمشق القديمة مكان كبير وعظيم في قلب نزار «هل تعرفون معني أن يسكن الإنسان في قارورة عطر؟ بيتنا كان تلك القارورة، كان اصطدامي بالجمال قدرًا يوميا،
كنت إذا تعثرت أتعثر بجناح حمامة.. وإذا سقطت أسقط علي حضن وردة، هذا البيت الدمشقي الجميل استحوذ علي كل مشاعري وأفقدني شهية الخروج إلي الزقاق، ومن هنا نشأ عندي هذا الحس البيتوتي الذي رافقني في كل مراحل حياتي».
وحيث كانت الأطفال تخرج لتلتقي وتلهو كان يجلس منزله الذي عشقه بكل كيانه وكذلك تحكي ابنته هدباء قباني: «كانت جدتي تدلله باسم «نزوري» وكان طفلاً ضائعًا بين أحواض الورد وبين عريشة الياسمين وأشجار الليمون والسفرجل ونافورة المياه الزرقاء في البيت، وهائمًا مع أراب الحمام والسنونو و«قطط البيت»، كان ضائعًا بين الجمال الذي ظل في أحلامه حتي آخر لحظات حياته وكتب يناجيه من مدريد:
«وأين رحات منزلنا الكبير.. وأين نعماه؟
وأين مدارج الشمشير.. تضحك في زواياه؟
وأين طفولتي فيه..
أجرجر ذيل قطته وآكل من عريشته
واقطف من (بنَفْشاه)..»
في منزله أيضًا تعلم أول حروف الوطنية علي يد والده توفيق قباني الذي كان أحد رواد المقاومة ضد الانتداب الفرنسي في سوريا آنذاك وطالما جمع الزعماء السياسيين في ايوان المنزل ليخطبوا في الناس، كما شهد هذا المنزل خطط الإضرابات والمظاهرات ووسائل المقاومة،
ولم يكن الطفل الواقف خلف الأبواب يسترق الهمسات بقادر علي فهم هذه الأمور حتي جاءت اللحظة التي أدرك فيها ما يجري عندما دخل عساكر السنغال - التابعون للجيش الفرنسي - في ساعات الفجر الأولي بيتهم بالبنادق والحراب ليأخذوا معهم أباه إلي المعتقل الصحراوي،
عندها: «عرفت أن أبي كان يمتهن عملاً آخر غير صناعة الحلويات كان يمتهن صناعة الحرية، فقد كان أبي يصنع الحلوي ويصنع الثورة وكنت أعجب بهذه الازدواجية فيه وأدهش كيف يستطيع أن يجمع بين الحلاوة وبين الضراوة».
درس نزار الحقوق إلا أنه لم يجد نفسه فيها «القضية الوحيدة التي ترافعت عنها هي الجمال والبريء الوحيد الذدي دافعت عنه هو الشعر»، كانت رحلته الأولي خارج دمشق هي الرحلة التي نقلت حياته من مجرد طالب بالحقوق إلي شاعر من أعظم شعراء العرب وأوائل رواد الشعر الحديث في سوريا والعالم العربي، «حين كانت طيور النورس تلمس الزبد الأبيض علي أغصان السفينة المبحرة من بيروت إلي إيطاليا في صيف ١٩٣٩
وفيما كان رفاق الرحلة من الطلاب والطالبات يضحكون ويتشمسون ويأخذون الصور التذكارية علي ظهر السفينة كنت أقف وحدي في مقدمتها أدمدم الكلمة الأولي من أول بيت شعر نظمته في حياتي.. وللمرة الأولي وفي سن السادسة عشرة وبعد رحلة طويلة في البحث عن نفسي نمت شاعرًا.» بعدها أصدر أول دواوينه «قالت لي السمراء» عام ١٩٤٤ وطبعه علي نفقته الخاصة بمساعدة والدته:
«قلبي كمنفضة الرماد.. أنا
إن تنبشي ما فيه.. تحترقي
شعري أنا قلبي.. ويظلمني
من لا يري قلبي علي الورق»
طلب من أستاذه بكلية الحقوق آنذاك منير العجلاني أن يقدم له ديوانه فكتب «وكأني أجد في طبيعتك الشاعرة روائح بودلير وفيرلين والبير سامان وغيرهم من أصحاب الشعر الرمزي والشعر النقي.. لا أسأل الله إلا شيئًا واحدًا أن تبقي كما أنت طفلاً يصور.. ويعشق كأنه ملاك يمشي علي الأرض ويعيش في السماء، ومن يدري لعل القدر يخبئ لنا فيك شاعرًا عالميا تسبح أشعاره من بلد إلي بلد وتمر من أمة إلي أمة».
وكان لانتحار أخته بسبب رفضها الزواج من رجل لا تحبه أثر عميق علي شعر نزار، «حين مشيت في جنازة أختي وأنا في الخامسة عشرة من عمري كان الحب يمشي إلي جانبي في الجنازة ويشد علي ذراعي ويبكي»،
ومنذ دخل نزار مملكة الشعر بديوانه الأول اصبحت حياته معركة دائمة لما ضمه هذا الديوان من تمرد وتغيير في شكل ومضمون القصيدة العربية المتوارثة حيث أدخل ألفاظًا وصورًا تناول من خلالها المرأة بأسلوب جديد وغير مألوف فقد هرب من القوالب الجامدة وقيود الشعر قائلاً: «مع اللغة لعبت بديمقراطية وروح رياضية لم أتفاصح ولم أتفلسف
ولم أغش بورق اللعب ولم أكسر زجاج اللغة، ولكنني مسحته بالماء والصابون ولم أخرق أوراق القاموس ولكنني قمت بعملية (تطبيع) بيني وبين الناس»، وعلي الرغم من أنه دعا إلي لغة شعرية بعيدة عن التعقيد والتعقيد إلا أنه أكد عدم الاستخفاف باللغة أو ضياعها أو استعارة العاميات بدلاً منها.
عمل بعد تخرجه دبلوماسيا في وزارة الخارجية السورية وسافر بعد ديوانه «قالت لي السمراء» للعمل في القاهرة التي تعلق بها أشد التعلق فكان يراها منارة الفن وواحة الشعر واستنكر عليها ما كتبه بعض النقاد والشيوخ عن شعره واصفين إياه بالإباحية واستجداء شهوات الشباب:
«تستبد الأحزان بي.. فأنادي
آه يا مصر من بني قحطان
تاجروا فيك.. ساوموك.. استباحوك..
وباعوك كاذبات الأماني
حبسوا الماء عن شفاه اليتامي
وأراقوه في شفاه الغواني
آه يا مصر.. كم تعانين منهم
والكبير الكبير.. دومًا يعاني
مِصرُ.. يا مِصرُ.. إن عشقي خطير
فاغفري لي إذا أضعت اتزاني»
ظل بالقاهرة حتي عام ١٩٤٩ سافر بعدها إلي لندن التي مكث فيها حتي ١٩٥٥ وكانت رحلة غربته الطويلة تنعكس علي شعره بشكل مباشر فتظهر مراحل التطور الشعري والفكري لنزار وكذلك تدعم مرارة الفقدان التي لازمت العاشق الدمشقي بدءًا من وفاة أبيه توفيق قباني:
«أبي .. يا أبي.. إن تاريخ طيب
وراءك يمشي، فلا تعتب
حملتك في صحو عيني حتي
تهيأ للناس أني أبي..
أشيلك حتي نبرة صوتي
فكيف ذهبت.. ولازلت بي؟
إذا فُلَّةُ الدار أعطت لدينا
ففي البيت ألف فمٍ مذهب
فتحنا لتموز أبوابنا
ففي الصيف، لابدُ، يأتي أبي»
وظل نزار يدافع عن شعره وعن فكرته التي يعبر بها عن رفضه قيود المجتمع الشرقي الذي يستعبد المرأة وينظر لها نظرة دونية ورد علي من اتهموه من