aly_fergany@hotmail.com

صناعة الإعلان ومبادرة الإعلام المصري

كتبهاعلي فرجاني ، في 27 ديسمبر 2008 الساعة: 18:22 م

بقلم : د‏.‏ سامي عبدالعزيز

من يشاهد ماذا ومتي وكيف ولماذا وعلي أية قنوات؟ أسئلة يستطيع من يمتلك اجاباتها بموضوعية أن يحقق الغايات المنشودة من وراء أي عمل إعلامي‏,‏ إلا وهي التأثير والفعالية باعتبارهما المدخل الطبيعي لتحقيق عائد الاستثمار في الإعلام‏.‏

وعلي الرغم من الصعوبة الدائمة في الحصول علي اجابات دقيقة وموضوعية وموثوق بها منذ ان بدأ النشاط الإعلامي وخاصة التليفزيوني بحكم اتساع مساحة المشاهدة وتنوع المتلقي إلا أن هذه الصعوبة تزداد كل يوم مع تزايد حجم الاستثمارات الضخمة في صناعة الإعلام والتي افرزت لنا مئات القنوات العابرة للحدود والمتعددة الاتجاهات والانتماءات والساعية إلي كسب أكبر شريحة من عيون المشاهدين عبر ما تبثه من مضامين إعلامية لا ابالغ إذا قلنا إنها تصل إلي ملايين الساعات سنويا‏,‏ كل ذلك بالطبع بهدف مشروع الحصول علي أكبر عائد إعلاني يمكنها من الاستمرارية والتطوير لمحتواها باعتبار أن الدخل الإعلاني هو الركيزة الاساسية لتحقيق أكبر عائد علي الاستثمارات الضخمة في هذه الصناعة الثقيلة‏.‏ ولأن الاجابة عن التساؤلات السابقة موجودة لدي المشاهد ولايستطيع احد أن يتوصل اليها بوجهات نظر وملاحظات شخصية فقد تلازم مع نشأة وتطور وسائل الإعلام الأهمية المتزايدة لدراسات وبحوث الإعلام‏.‏ وقد تعددت مجالات هذه الدراسات والبحوث واهدافها والقائمين عليها‏..‏ فانصب الأكاديميون من خلال مراكز البحوث الجامعية والأكاديمية وبعض المراكز المتخصصة علي بحوث التأثير السياسي والاجت
ماعي والثقافي للإعلام وخاصة التليفزيون بحكم انتشاره وخصائصه وقدراته التأثيرية‏.‏ وفي اتجاه اخر تشكلت بعض المراكز والشركات المتخصصة في بحوث المشاهدة والاستماع بهدف الوصول إلي ترتيب هذه الوسائل من حيث قدرتها علي جذب المشاهد لاطول فترة ممكنة ليس بهدف قياس الآثار السابقة‏,‏ وانما بهدف خدمة صناعة الإعلان بكل أطرافها والمتمثلة في الوسائل‏,‏ والمعلنين‏,‏ والوكالات الإعلانية التي كانت إلي زمن قريب تمارس نشاط تخطيط الوسائل ومن بعدها انتقلت هذه الوظيفة بشكل متدرج إلي شركات الإعلان المتخصصة في تخطيط الوسائل وبيع مساحاتها وتحقيق أعلي عائد من ورائها‏.‏

والمتتبع لتطورات صناعة بحوث الإعلام والإعلان يستطيع ان يرصد عدة حقائق منها ان الاستثمار في صناعة بحوث الإعلام والإعلان قد ادرك العالم المتطور أهميته منذ زمن بعيد فها هي تجربة‏BBC‏ البريطانية بدأت منذ عام‏1924‏ ومن بعدها التجربة اليابانية عام‏1828‏ ثم جاءت التجربة الأمريكية عام‏1935‏ ومن بعدها انطلقت التجارب الأوروبية‏.‏

الحقيقة الثانية ان الاستثمار في صناعة بحوث الإعلام والإعلان تتزايد بحكم ما يحدث في تكنولوجيا الإعلام من تطورات افرزت اساليب ووسائل ومنافذ وقنوات اتصالية متعددة جعلت مهمة تخطيط الوسائل بهدف تحقيق أفضل النتائج من أصعب المهام والتحديات‏.‏

فالمخطط الإعلامي يجلس علي جمرة من نار أمام ذلك المشاهد الذي يمسك بالريموت كنترول لينتقل كما يشاء بعد ان تبدلت عادات مشاهداته ونوعية تفضيلاته وبعد ان تنوعت منافذ المشاهدة والاستماع عبر وسائل حديثة وأصبحت حرية اختياره بلا حدود‏.‏

من الحقائق أيضا ان بحوث الإعلام والإعلان أصبحت الوسيلة الاساسية والمعترف بها والتي علي اساسها تتحدد الميزانيات الإعلانية الضخمة علي المستويات المحلية والإقليمية والعالمية وامتدادا لذلك شهدت الدول والاسواق الكبري ومؤسسات وشركات متخصصة ومحترفة في مجال بحوث الوسائل الإعلامية بجميع صورها باعتبارها هي نفسها المنافذ الإعلانية المحققة للأهداف التسويقية لجميع الشركات والمؤسسات والعلامات التجارية‏.‏ ويمكن القول وبثقة ان هذه الدول نتيجة لاهتمامها وتدقيقها في تقنيات واساليب شركات بحوث الإعلام فإن صناعة البحوث لديها قد وصلت إلي مرحلة من النضج والثقة في نتائجها بأكبر درجة ممكنة حتي ان هذه الشركات أصبحت هي الترمومتر الحقيقي الذي يستند اليه الجميع بعد أن أكدت احترافها واحترامها لاصول ومناهج البحوث وادواتها وتقنياتها المنضبطة‏.‏

أما إذا انتقلنا إلي واقع صناعة البحوث والإعلام في عالمنا العربي عامة ومصر خاصة فإن الصورة مختلفة تماما‏.‏

ففي جزء محدود من الصورة نري ظهور بعض الشركات المتخصصة في بحوث الإعلام والإعلان كامتداد لشركات عالمية متخصصة خاصة في اسواق منطقة الخليج مع امتداد محدود جدا جدا إلي السوق المصرية‏.‏

وكنتيجة طبيعية لوجود هذا النشاط كان لابد من زيادة أهمية الأخذ ببحوث المشاهدة والاستماع وكانت بدايات هذه الشركات وبحكم الخبرة والاحتكاك معها تمثل مودة أو صيحة ظاهرية ومع مرور الوقت حاولت هذه الشركات تطوير اساليبها وادواتها ولكن وبحكم التخصص والتجارب السابقة أيضا أقول ان أغلبها كانت ولاتزال بعيدة عن الاحتراف والموضوعية‏.‏

بل لا أبالغ إذا ما قلت إنها احيانا تكون اقرب إلي التحريف والتفصيل لبحوث لا احد يضمن دقة مفاهيمها أو ملاءمة اساليبها وادواتها وبالتالي فإن نتائجها تظل محل شك‏.‏

فهل يعقل ان يخرج علينا بحث اجرته جهة ما لا احد يعرفها لتجعل من قناة ما لم يمر علي ظهورها أقل من سنة لتحصل علي المرتبة الثانية متقدمة بذلك علي قنوات سبقتها بسنوات طويلة واستقرت في خريطة المشاهدة؟‏!‏

هل يعقل ان تقرأ بحثا أجرته شركة لا احد سمع عنها ولاتعرف عن ثقافة المواطن المصري سوي القدر القليل لتجعل من بعض القنوات الفضائية الفارغة المحتوي تأتي ضمن قائمة أفضل‏10‏ قنوات أو حتي الـ‏20‏ قناة المفضلة والأكثر مشاهدة؟

لايعقل ان نترك الحبل علي الغارب لما يمكن اعتبارهم قراصنة بحوث أو ترزية بحوث يدفع لهم من بعض الوسائل أو القنوات لكي تفصل لهم بحوثا تقدم نتائج وهمية تجذب أكبر الميزانيات الإعلانية وتذهب بها إلي حيث تشاء وليس حيث نسبة المشاهدة الفعلية في الواقع‏.‏ من هنا فقد سعدت للغاية بمبادرة وزير الإعلام المصري لوضع حد لهذا الوضع الفوضوي الذي يشوه واحدة من أرقي وأهم الصناعات في العالم وهي صناعة بحوث الإعلام عامة وبحوث المشاهدة والاستماع خاصة‏,‏ تلك المبادرة التي تسعي إلي إنشاء كيان يباشر مهمة تخطيط وتنفيذ بحوث المشاهدة لجميع القنوات التليفزيونية باختلاف أنماط ملكيتها وتنوع مضامينها بما يضمن الحصول علي نتائج تتوافر فيها الدقة والموضوعية والاحتراف الحقيقي‏.‏ إن تلك المبادرة فتحت ملفا تأخر فتحه لفترة طويلة مما أدي إلي تشويه صناعة الإعلام والإعلان في مصر لانه ـ وللأسف ـ صناعة الإعلان في مصر لاتزال تعاني من تشوهات في ظل مقارنتها بما يحدث في العالم المتقدم بل وفي بعض الاسواق العربية وان كان بشكل محدود‏.‏

لقد توافرت لهذه المبادرة المصرية مقومات الجودة من حيث إلمامها ورصدها الدقيق للتجارب العالمية في عدد من الدول المتقدمة والتي تأتي في مقدمتها تجربة‏BARB‏ في المملكة المتحدة ونماذج الرصد والتحليل التي وظفتها‏,‏ هذا بالإضافة إلي تجربة‏MRC‏ في الولايات المتحدة الأمريكية والتي اتضح دقة معدلاتها وتتبعها لمصادر الخدمة‏.‏ كما أنها لم تغفل تجربة المكتب الكندي للقياس‏BBM‏ الذي يضم ممثلين للشبكات الإذاعية والتليفزيونية ووكالات الإعلان وكذلك المعلنون ضمانا للشفافية ودعما لمصداقية القياس‏.‏

ومن حيث تحليلها الواقعي للأوضاع القائمة في مصر بحضور جميع أطراف صناعة الإعلام والإعلان في مصر والمنطقة فقد ابرزت ضرورة توافر التصميمات المنهجية والتكنيكات التي تقيس الأبعاد التالية‏:‏

ـ اهتمامات الجمهور المصري وتفضيلاته البرامجية وقنوات عرضها‏.‏

ـ تزويد المعلنين بمؤشرات تضمن تحقيق أقصي فعالية لانفاقهم الإعلاني‏.‏

ـ تتبع التطورات في أذواق المشاهدين ورصد الابعاد الحاكمة لهذا التطور من خلال الدراسات التتبعية والمستمرة‏.‏

وإذا كان لي من تأكيدات أو إضافات تدعم هذه المبادرة المطلوبة فإنني اؤكد ضرورة توفير الاستقلالية التامة لهذا الكيان الجديد من حيث اهدافه وتشكيله وصلاحياته وآليات عمله وتمثيله لجميع أطراف صناعة الإعلام والإعلان‏.‏ كما أنني أري أهمية شفافية مصادر تمويل هذا الكيان بما يضمن موضوعية النتائج ودقتها‏,‏ كما انني اتصور ان يتم اختيار الشركات المتخصصة في مجال بحوث المشاهدة والاستماع بناء علي مسابقة علنية تتقدم من خلالها الشركات المتخصصة بمشروعات بحثها ومناهجه وادواته التي ينبغي ان تتعدد وتتنوع باختلاف شرائح المشاهدين والمستمعين وان يتم التعاقد معها سنويا بحيث يتاح للكيان المقترح فرصة التجديد في اختيار الشركات المنفذة‏.‏

ان مبادرة الإعلام المصري يمكن ان تحقق أكثر من هدف علي المستوي الاقتصادي من خلال التحديد الدقيق لخريطة تفضيلات المشاهدة والاستماع بما يضمن رشد وفعالية الانفاق الإعلاني‏.‏

كما انها ستضبط اساليب التسويق والتسعير لبيع المساحات الإعلانية وتمنع ما يسمي بحرق الأسعار ومثل هذا الأمر يحقق ثقة المعلنين وخاصة الدوليين منهم‏.‏ وأهم من ذلك الهدف فإنها ستقدم ترمومترا صادقا ودليلا علميا سيؤدي في النهاية إلي تنقية المضمون الإعلامي المسموع والمرئي بدءا من الارتقاء به بما يمكن المحطات المحترفة والجادة والهادفة من الاستمرار‏,‏ وانتهاء باخراج تلك القنوات التي تنحرف بأهداف وقيم الإعلام لانها ستكون أمام أحكام صدرت من صاحب القرار الأول والأخير ألا وهو المشاهد‏.‏

دعونا نناقش هذه المبادرة ونطالب وزير الإعلام بالاستمرار في تطوير وبلورة هذه المبادرة وتحويلها إلي واقع عملي في اقرب وقت للاقتراب من الاحتراف والبعد عن الانحراف‏.‏

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : اعلاميين تحت الاضواء | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر