الكاتب الصحفي صلاح الدين حافظ لـ «المصرى اليوم» : «الإخوان» يسعون للحكم ومطلوب مراجعة علاقتنا مع أمريكا
حوار ماهر حسن نقلً عن جريدة المصري اليوم - ٣٠/٦/٢٠٠٨
الفساد والإفساد وعلاقة الصحافة بالسلطة، هي الهم الرئيسي للكاتب الكبير صلاح الدين حافظ، تناولها في معظم كتبه، التي لم يخف فيها قلقه من تنامي «توحش» الأنظمة العربية في مواجهة الحريات الصحفية، في ظل «ترسانة» قوانين تكرس «القمع».. ويلخص ذلك بقوله إن السياسة فشلت في «تلميع» وجهها بذلك القمع، وفشلت الصحافة التي وصفها بـ«الضحية» في أداء رسالتها.
في حواره لـ«المصري اليوم» ألقي صلاح الدين حافظ الضوء علي الموروث الاستبدادي، وفكرة الفساد والإفساد المتبادل بين الصحافة والسياسة، ويحذر من ثورة قادمة حال استمرار الأوضاع علي ما هي عليه من ترد، وينظر بعين التفاؤل للصحافة الخاصة التي وصفها بأنها كسرت الجمود وألقت بحجر ضخم في بحيرة السياسة الراكدة في ظل حالة وصفها بـ«الاحتقان» و«التكلس» و«الجمود»، ودعا الصحافة القومية لمراجعة مواقفها.. وتطهير «فسادها» وإعلان ميزانياتها ووصفها بأنها تحولت إلي أبعديات يقوم فيها رؤساء التحرير بدور «الخولي».
* الفترة الأخيرة شهدت صدور عدد من الصحف الخاصة بعد فترة من التضييق فكيف تفسر هذا الأمر؟!
- أبدأ بالنقطة المبدئية، وهي أن حرية الصحافة لها معايير متفق عليها دولياً، ومن بين ركائزها حرية إصدار الصحف، التي يقاس بها مفهوم حرية الصحافة، فإذا تحكمت الدولة في الإصدار، فإنها تحكمت مبدئياً في حرية الصحافة، وأنا أري أن الدولة تتعامل مع هذه الحرية ببيروقراطية شديدة، منذ فترة طويلة، حيث التحكم في المنبع «أي الإصدار» ولقد حاولت الدولة في وقت من الأوقات أن تبدي قدراً من التسامح مع الصحافة ما دامت الدولة تتحكم في منح التصريح بالإصدار، لأن ذلك يكفل لها التحكم في الرأي العام، وهي تمنح هذه الحرية بشكل نسبي لسبب آخر، وهو أن نجاح وتنامي وتطور الصحافة الخاصة يهدد صحافة الحكومة.
* هل تعتقد أن هذه الحرية النسبية الممنوحة للصحافة الخاصة جاءت بإيعاز وضغوط من الخارج أم أنها محصلة ضغوطات من الداخل؟
- هي نتيجة لضغوط من الخارج والداخل معاً فهناك حالة احتقان داخلية والنظام ينظر لها كأنها ليست حقاً من حقوق الإنسان، كما أنه ينظر إلي الهامش باعتباره غير مؤثر، والهامش له فوائد كثيرة بلا جدال، فهناك قدر كبير من التسامح مع بعض مقالات الرأي في الصحف القومية وهو ما لم يكن موجوداً من قبل، وما أوجد هذه الحرية هو هامش الحرية في الصحف الخاصة.
* ولكن هذا الهامش لم يحل دون منع بعض مقالاتك في «الأهرام» مثلاً؟
- لكن بعضها نُشر، ولذلك فإنني اعتبر الهامش الذي ظهر في الصحف الخاصة في السنوات العشر الأخيرة هامشاً مهماً.
* لكنني أتصور أن هامش الحرية ليس وحده الذي حقق ذلك الهامش النسبي في الصحف القومية، فهناك منحي تقني مختلف وطرح مختلف ولغة مختلفة حققتها تلك الصحف.
- نعم أتفق معك، فهذه الصحف قدمت صحافة جديدة بها قدر كبير من حرية الرأي والتعبير، كما أنها شكلت خروجاً كبيراً علي القوالب والأطر الصحفية الجامدة.. لكن ما حققته هذه الصحف من حرية كان خروجاً علي الرؤية البيروقراطية العريقة من قبل الدولة للصحافة، ذلك أن هذه البيروقراطية نجحت في إقناع الحاكم خلال القرنين الماضيين وربما قبل هذا بأن التحكم في الرأي العام لابد أن يكون عن طريق الصحافة، وأنها السبيل الأقوي للسيطرة علي الناس، ومازالت الدولة البيروقراطية - وعلي رأسها الحاكم الفرد - تؤمن بذلك، فأصبحت الدولة تسيطر علي الناس إعلامياً وأمنياً والأمن هو الذي يعطي للحاكم نوعاً من الثقة والأمان، ويحقق الطمأنينة للنظام، وهذه نظرية مغلوطة وخطيرة واستبدادية وفاسدة.. ولذلك فإنه مع هذا القدر من التسامح مع الصحافة الخاصة الذي أتاح هذا الهامش تظل فكرة التحكم في المنبع هي السائدة والمعمول بها، أعني التحكم في الإصدار أو الممانعة والمماطلة والتحايل للحيلولة دون الإصدار.
* كيف تُقيم هذه الحرية؟!
- هي محدودة ومحكومة وتقوم علي فكرة التسامح الأبوي، ولا تقوم علي أصل قانوني من أصول القوانين المستقرة بمعني «خليهم يتكلموا»، ظناً منهم - كما ذكرت قبلاً - أن الشعب مات، ولم يلتفتوا مثلاً لبعض الإشارات المهمة الناجمة عن تضييق الخناق علي كل شيء.. كظهور حركات مثل «كفاية»، فضلاً عن حركتي «صحفيون من أجل التغيير» و«شباب من أجل التغيير» وغيرهما فضلاً عن الاحتجاجات التي تندلع بين وقت وآخر هنا وهناك وهي تجاهر برأيها إذن فقد بدأت تظهر هذه الروح العامة غير المستسلمة.
* هل يعني هذا أن النظام لا يقيم لكل أشكال الاحتجاج هذه وزناً.. وكيف تراها أنت؟
- الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في مصر زادت علي الحد، والاحتقان السياسي بلغ مداه وربما النظام لا ينظر بعين القلق لمثل هذه الاحتجاجات، حيث يمتلك منابره الإعلامية وعصاه الأمنية فبدت هذه الحركات غير ذات تأثير علي القرار السياسي، أما الأفكار التي زرعتها البيروقراطية المصرية بأن شعب مصر مهادن ومناور وهادئ ومستكين ولن تقوم له قائمة فهي أفكار غير صحيحة، لأن مثل هذه الحركات وصلت إلي القري البعيدة وأنا فلاح وابن فلاحين ومرتبط بالريف المصري وعلي دراية كاملة به. وبالذهنية القروية، وأعرف ما يحدث في الريف وأؤكد أن هناك خطراً حقيقياً قادماً إلي مصر إن لم تعتدل فيها الأمور وهذا الخطر «أن يثور الفلاحون».
* كيف تري وضع الصحافة الحكومية؟
- الوضع الحالي للصحافة الحكومية أقل ما يوصف به أنه وضع رتيب ومتجمد ومتكلس متحجر ويحتاج إلي نفضة، وهو وضع لا يمكن الاستمرار فيه.
* كيف يتم تعديل أوضاع الصحف الحكومية وبعض المراقبين يستبعدون مثلاً فكرة خصخصتها؟
- استمرار وضع المؤسسات الصحفية الحكومية كأبعديات لن يدوم، وبالأخص مع الحضور القوي لظاهرة الصحف الخاصة والتي تهدد بسحب البساط من تحت أقدام الصحف القومية، ولأن لدينا مشروعاً عاماً يسري في البلد كالوباء اسمه «الخصخصة» فإن هذا يفرض علي المؤسسة البيروقراطية فكرة مراجعة موقف المؤسسات الخاسرة أو الفاسدة، خاصة مع ظهور منافس قوي بل منافسين، منهم من هم خارج حدود مصر حيث صحافة عربية جديدة، و«ميديا» مختلفة بينما مؤسساتنا الحكومية مازالت علي جمودها في عصر السماوات المفتوحة، فلا قيود ولا رقابة سياسية ولا مصادرة ولا منع، وأنا حينما كان يمنع لي مقال في الأهرام أفاجأ به منشوراً في خمس صحف عربية أخري علي الأقل، فضلاً عن المواقع الإلكترونية، نحن في مواجهة تغييرات جديدة فرضت نفسها علي العالم كله ولذلك فإنه علي صحافتنا الحكومية الجامدة أن تتغير.
* وماذا عن هاجس الخصخصة.. وهل يؤثر شبح الخصخصة علي القائمين علي هذه الصحف الحكومية؟
- بالطبع، فالموضوع يمثل هاجساً لدي الطرفين، فالدولة تريد عسل الصحف القومية ولا تريد لدغها، وهناك فئات كثيرة راغبة في الشراء، وهي جاهزة «بفلوسها»، وأري أننا بالفعل نعيش «شوطة» خصخصة لكن المشكلة ليست في الخصخصة من عدمها، المشكلة مشكلة فكر في إدارة هذه المؤسسات.
* بمعني؟
- هل نوعية الصحافة التي تقدمها الصحف الحكومية اليوم تلبي رغبات وحاجات القارئ العادي أم لا.. والإجابة بالطبع هي لا، إذن لماذا تندهش هذه المؤسسات، وأيضاً المؤسسة البيروقراطية الأم، من انصراف القراء عن هذه الصحف بشكل تدريجي ويذهبون للصحف الخاصة الجديدة.
* ماذا جري لك في الأهرام؟
- لأسباب داخلية في الأهرام تعرضت لمشاكل لا حصر لها منها تجميد وضعي علي مدي أربع سنوات.
* معني ذلك أن لك مقالات منعها إبراهيم نافع؟
- طبعاً الكثير وتقريباً يحدث هذا إلي الآن أيضاً.
* هل هذا توارث سياسات أم مقتضيات وناموس ولاء لا يتغير؟
- الحقيقة لا أعرف، لأن هناك مقالات أفاجأ بأنها مرت فكنت أضحك قائلاً لو أنني كنت في موقع رئيس التحرير لمنعتها.
* هي مسألة حس صحفي ومهني وأمني مختلف؟
- نعم ولا أعلم هل هناك تحريض في الأمر من البعض ممن هم خارج المؤسسة أم أنها مقتضيات داخل المؤسسة وهي في معظم الأوقات غير مفهومة وربما لا تخضع لاعتبارات ثابتة.. فلقد كتبت مثلاً مقالين عن الصحافة ودورها، وعلاقتها بالسلطة السياسية، كان الأول عن الفساد والإفساد ونشر فيما كان هناك مقال آخر عن الإفساد بين الصحافة والسلطة تم منعه فتحيرت، حيث إن الأكثر هجوماً وانتقاداً تم نشره فيما تم منع الآخر الأقل هجوماً وهذه معايير غريبة وغير واضحة.
* مصطفي بكري في حملته الشهيرة في «الأسبوع» ضد القيادات السابقة للصحف القومية قارن بين مرتبك ومرتب صحفية شابة عملت في الإعلانات؟
- نعم أذكر هذا، ذلك أن هناك تطرفاً في الفساد ولم يعد أحد يحاسب أحداً وحين نشر مصطفي بكري هذا الكلام اتصلت به في الحال ولمته قائلاً: «ليه الفضيحة دي؟» لأنه قال إن هناك صحفية تم تعيينها في إعلانات إحدي المؤسسات الصحفية الكبري دخلها الشهري ٧٥٠ ألف جنيه، أي «مليون إلا ربع» وأن صلاح الدين حافظ في المقابل يحصل علي مرتب شهري قدره ١٩٨٦ جنيهاً بعد أربعين سنة صحافة..
هل تعلم أنني حينما وصلت إلي سن المعاش ربطوا معاشي علي ثمانمائة جنيه، وأنا رأيت مرتب مكرم محمد أحمد، ومحفوظ الأنصاري فوجدتهما أقل من يحصلون علي مرتبات، كما أنهما كانا يحصلان علي أدني البدلات.. أنا أسمع أن مرتب أحد الشباب الصغار في مؤسسة صحفية وصل ٣٥ ألف جنيه لأنه يجلب إعلانات.
* هل تفعيل ميثاق الشرف من شأنه أن يقوي النقابة؟
- قبل تفعيل ميثاق الشرف مطلوب تفعيل القانون، لأن ميثاق الشرف الصحفي اختياري وأخلاقي بين أبناء المهنة الواحدة، أما القانون فهو ملزم ولدينا قانون للنقابة وآخر للصحافة وكلاهما به ضوابط كثيرة جداً وكافية لضبط الأمور.
* هل يتم العمل بهذه القوانين والضوابط؟
- للأسف لا.. وأنا أسأل: لماذا نعطل القوانين ثم نسأل لماذا لا نقوم بتفعيل ميثاق الشرف الصحفي، إننا إن لم نفعل القوانين يصبح ميثاق الشرف مسألة شكلية، لقد تكرم مجلس النقابة ورشحني للجنة تفعيل ميثاق الشرف لكنني اعتذرت لأن قرارات هذه اللجنة غير ملزمة.
* حينما نتأمل المشهد الصحفي في مصر نجد أنفسنا إزاء سيولة وحراك صحف تتحدد معالمه تدريجياً ومن ثم مستقبل الصحف الثلاث فيه، الخاصة والحزبية والحكومية، عبر خريطة مهنية وأخلاقية.. فكيف تري البعد المهني والأخلاقي في هذه الأنماط الثلاثة، وما السبيل إلي تغليب البعد المهني والأخلاقي علي الاعتبارات الأخري؟
- التعبير الذي ذكرته مضبوط، فنحن بالفعل إزاء حالة سيولة صحفية وحراك صحفي وكلٌ يحاول وضعه الخريطة التي تخصه مهنياً وسلوكياً، والصحافة الخاصة تحاول أن تضع لنفسها خريطة، وهو ما شعرت بخطورته الصحافة القومية فبدأت تعدل من أوضاعها قليلاً، أما الصحافة الحزبية فهي تعيش حالة ضياع وغيبوبة، أتمني أن تستيقظ منها سريعاً، أما المسؤولون عن تحديد هذه الخريطة فهم الصحفيون ذاتهم، حيث يتعين عليهم تغليب المعايير المهنية والأخلاقية علي الانتماء السياسي والأيديولوجي..
والصحافة الخاصة تتحمل مسؤولية أساسية هنا، فهي متهمة طوال الوقت بأن مصدر تمويلها مجهول، لذا يجب أن تكون هناك شفافية، وأنا أطالب الصحافة الخاصة بأن تعلن ميزانياتها علناً، مثلما فعلت «المصري اليوم»، وأن تفصح عن مصادر تمويلها كما أطالب الصحافة الحكومية بتغيير أوضاع سيئة موجودة بها، وتطبيق مبدأ الشفافية التي تقتضي المساءلة والمحاسبة، فالشفافية لا تقتصر علي نشر الأخبار الدقيقة، ولكنها أيضاً تقتضي خريطة مهنية توضح اتجاهات الصحيفة الأيديولوجية والسياسية.
* البعض يستبعد فكرة خصخصة المؤسسات الصحفية الحكومية علي الأقل لكونها إحدي أدوات النظام المسؤولة عن تبني وتوصيل خطابه؟
- غير صحيح بالمرة استبعاد فكرة خصخصة الصحافة الحكومية، ولو عدت إلي عام ٢٠٠٥ ستجد أنه كان هناك إصرار حكومي في التأكيد علي أن الحكومة لن تبيع البنوك الرئيسية وهي البنك الأهلي وبنك مصر وبنك القاهرة والإسكندرية، لكنها باعت بنك الإسكندرية في عام ٢٠٠٦ وباعت بنك القاهرة في ٢٠٠٧ وهذا يدفعنا للتوقع ببيع بنك مصر قريبًا.
* أين يكمن الخلل في قضية الشفافية وتداول المعلومات هل هو في الذهنية الأمنية أم التشريعية لسدنة النظام؟
- كلاهما واحد، وجوهر المسألة هو «هل هناك رؤية سياسية أم لا؟ وحين تكون لدينا رؤية سياسية ونكون مؤمنين حقًا بالديمقراطية الحقيقية، فإن تشريعاتنا ستتجه نحو ذلك، وحين نصدر قانونًا للعقوبات نضمنه - مثلاً - مادة مثل المادة ١٩ التي تحبس الصحفي في قضايا الرأي والنشر ولا نضع في قانون الصحافة عقوبات مغلظة سالبة للحريات، نحن إزاء منظومة سياسية متكاملة في تناقضاتها ونواقصها، لقد كان هناك حديث حول وجود قانون جديد لتداول المعلومات لكنني أتمني ألا يظهر في مثل هذه الظروف لأنه سيغالي في التشدد والتغليظ، فالبيئة الحاضنة الحالية لا تساعد علي إصدار قانون طبيعي يسمح بحرية تداول المعلومات.
* لكن ترزية القوانين هذه الأيام أكثر كفاءة وطاقة؟
- لا.. هم ليسوا أكفأ لكن لديهم القدرة علي تلبية الطلبات بمنطق: «طلباتك أوامر» وهم ليسوا علي كفاءة قانونية وإنما دائمًا أقول إن ترزية القوانين قليلو الكفاءة.
* علي ذكر هؤلاء الترزية قرأت الدساتير المصرية لكنني لم أر أعجب مما رأيته في دستورنا الحالي، خاصة بعد التعديلات وتعديل التعديلات؟
- لأن الاستعانة بترزي عديم الخبرة، وغير كفء هو السبب في ذلك، لأن الترزية لو قرأوا الدساتير جيدًا لما كانوا قد وصلوا للصيغة المعيبة الحالية.
* هل من هؤلاء مثلاً علي الدين هلال ومفيد شهاب؟
- وهمه دول مش كفاية؟ خذ عندك مثلاً الدكتور رمزي الشاعر، لكن أحب أن أقول لك شيئًا إن الدكتور مفيد شهاب متبحر في القانون والدكتور علي الدين هلال دستوري رفيع المستوي «كجامعي» ولقد قرأت في «المصري اليوم» ذات يوم أنه هاجم الصحافة وقال إن معظم كتابها جاهلون وطبعًا الهجوم غير مقبول علي النحو الذي حدث، لكن كانت هناك جذور لذلك منها تعديل ٣٤ مادة دستورية علي النحو الذي خرجت عليه المادة ٧٦.. ثم تعديل التعديل مما يدلل علي وجود نقص في الكفاءة المهنية القانونية والصياغية لأولئك الترزية، والمفروض أن ذلك قدرنا، ولقد كنت أحد الذين هاجموا تعديل المادة ٧٦ منذ البداية، وقلت إن التعديل يحتاج إلي تعديل وهوجمت بشراسة وظهر أناس يكتبون مقالات جبارة ضدي ومع التعديل ثم لم يمر سوي عام حتي تم تعديل التعديل الذي جاء معيبًا أيضًا، وكأنهم لا يستفيدون من أخطائهم.
* ملاحقة الصحفي من قبل النظام ظاهرة عربية وليست مصرية فقط فماذا فعل الاتحاد باعتباره كيانًا عربيا في اتجاه الدفاع عن الصحفيين وحرية الصحافة؟
- لقد قمنا بدور مهم في هذا الاتجاه، واستطعنا حل العديد من المشاكل، ولكننا لم نعلن عن هذا الدور، بما لنا من علاقات إعلامية، وأيضًا هناك جسور اتصال من الحكومات العربية، نواصل من خلالها حل مشاكل حرية الصحافة.
* دائماً ما نتهم مصر بأنها أصبحت بلا ريادة في أي مجال وأنها تابعة لأمريكا.. في حين أن معظم الأنظمة العربية متهمة بنفس الاتهام؟
- الأنظمة العربية قائمة علي شرعيات غير مؤكدة و«فاقد الثقة» في شرعيته غالباً ما يبحث عن «سنيد» وأظن أن معظم الدول العربية الآن تستند، لا إلي تحالف والتنسيق مع أمريكا، ولكن إلي التبعية لها، وتقديم كل ما لديها لأمريكا تفريطاً في الأرض والعرض للحصول علي رضائها وكسب حمايتها - أعني حمايتها لهذه الأنظمة - والاستقواء بها علي الداخل، وهذه النظم تنظر لأمريكا باعتبارها الرئيس الأمريكي، ولكن أمريكا مجتمع به مؤسسات سياسية سيادية مستقلة مثل الكونجرس، الذي بإمكانه تعطيل قرار للرئيس الأمريكي تلك تري رئيس أي نظام من أنظمتنا حين يقابل الرئيس الأمريكي ويضحك معه، ثم يدلله الرئيس الأمريكي بكلمتين فإن رئيس ذلك النظام يعتبر أن السياسة الأمريكية والإدارة الأمريكية راضية عنه وستدافع عنه «علي طول الخط»، ولأن أنظمتنا تحاول كسب أمريكا دائماً فإنها تستسلم لها بكل شيء في مقابل شيء واحد، هو حمايتها ممن في الداخل، وممن يكرهونها، وما من وفد أمريكي يحضر إلي مصر إلا ويشكو للرئيس مبارك من هجوم الصحافة المصرية علي أمريكا.
ولقد كان هناك وفد أمريكي، زار الرئيس مبارك، وقدم له ملفاً كاملاً يضم عشرات المقالات لكتاب مصريين يهاجمون الإدارة الأمريكية ولقد كنت أنا من هؤلاء الكتاب، حتي إنهم اشتكوا من الكاريكاتير المصري، وقيل إنهم قالوا للرئيس مبارك هذه هي صحافتكم التي تهاجمنا.. وأنا عرفت أن الرئيس مبارك سألهم عما يريدون فطلبوا منه وقف هذا الهجوم، فرد عليهم بقوله: أنتم تدافعون عن الحريات وبالأخص حرية الصحافة فكيف تطلبون مني قمعها، فقالوا له إنه يستطيع بصفته الرئيس لكن الرئيس مبارك وبخهم.
* وعلام يدلل هذا الخطاب الأمريكي المتناقض، وإلي أي حد يفسر العلاقة المتراوحة بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية؟
- هي علاقة متناقضة، وغير متوازنة بين دولة صغيرة لكنها ذات مركز إقليمي متميز في المنطقة، وبين هذه الدولة العظمي الوحيدة في العالم، ومن ثم فلابد أن تكون علاقة مختلة وأنا أعتبر أن ٢٥ سنة من العلاقات الوثيقة بين مصر وأمريكا تستدعي المراجعة الآن بحيث تخرج من طابع التبعية إلي طابع العلاقة المتوازنة.
* كيف تتحقق هذه العلاقة، وعلي عاتق من يقع هذا الدور؟
- هذا دور النخبة السياسية المثقفة في مصر، ويجب أن نثير حواراً حول هذا الموضوع، ولا يكفي أن أكتب أنا مقالاً وتكتب أنت مقالاً ولكن يجب أن ندير في المجتمع هذا الحوار ونشيع هذه الحالة ونناقش علي سبيل المثال، هل هذه العلاقة وثيقة الصلة أفقدت مصر استقلالها أم لا.
إن أمريكا نفسها تتحاور مع الجماعات المتطرفة، بل تحاورت مع الجماعة الإسلامية في التسعينيات وهي التي ساعدت علي إخراج عمر عبدالرحمن من مصر، وبريطانيا تفعل نفس الشيء لكنك حينما تمارس شيئاً تراه أمريكا متعارضاً مع مصالحها فإنهم ينتقدونك.
* هذه سياسة أمريكا؟
- السياسة ذاتها بها ألاعيب كثيرة جداً، وخصوصاً في التعامل مع الإخوان، الذين كانت لهم علاقات مع بريطانيا التي كانت تحتل مصر.
* توازنات إخوانية سياسية.. أليست جماعة الإخوان دعوية بالأساس؟
- هنا «يلعبونها سياسة» والإخوان جماعة دينية تستغل الدين للوصول إلي السلطة وأنا أعتبر جماعة الإخوان المسلمين أقوي تنظيم سياسي في الدول العربية، لأنه يتمتع بثلاث ميزات أساسية هي «العقيدة.. والمال.. والقدرة علي التنظيم» ولا يوجد تنظيم حزبي ظهر في تاريخ الأمة بعد الشيعة مثل الإخوان.
* ما الذي يريدونه؟
- يريدون الحكم رغم نفيهم ذلك، وإذا كنت كتنظيم سياسي ذي طابع ديني تنفي ذلك فلماذا تلعب سياسة، وما هدفك من الوصول إلي البرلمان ثم تريد الحكومة ثم السلطة، والنفي ليس معناه عدم وجود الشيء، ولقد كان وصول الإخوان للبرلمان بفضل المزايا الثلاث التي ذكرتها وفوق هذا استغلال الإخوان حالة السخط الشعبي في الشارع المصري ضد الحزب الوطني وحكومته وعدم مصداقيته وعجز النخبة.
كتبها علي فرجاني في 02:41 مساءً ::
الاسم: علي فرجاني
